القاضي عبد الجبار الهمذاني
526
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فصل في أنه تعالى ينتصف للمظلوم في الآخرة وأن ذلك واجب في الحكمة يدل على ذلك أنه تعالى في تدبيره لعباده فيما يفعله بهم من نفع وتعريض له ، أو دفع ضرر بمنزلة ولى اليتيم والمدبر لولده . وقد يصح أن من هذا حاله يلزمه الانتصاف لبعضهم من بعض ، كما يلزمه النظر في منافعهم ؛ لأنه يجرى بتدبيره لهم مجرى تدبيرهم لأنفسهم لو كانوا عقلاء . وإذا كانوا ينتصفون مع التمكين والمعرفة فيجب أن ينتصف لبعضهم من بعض . يبين ذلك إذا لزمه استيفاء حقوقهم على غيرهم ، فقد لزمه أن يستوفى حق بعضهم من بعض ؛ وهذا هو الانتصاف . وإذا صح ذلك في الشاهد ، وجب مثله في القديم تعالى . فإن قال : فيجب أن ينتصف للمظلوم من الظالم في دار الدنيا معجلا ، كما يجب مثل ذلك على الوالد في أولاده . قيل له : إن الوالد لو علم في حق لأحد ولديه على الآخر ، أولهما على غيرهما أن استيفاءه في بعض الأحوال فساد لكان الواجب عليه أن يؤخره . وإذا علم تعالى أن الصلاح في تأخير الانتصاف ، فواجب أن يؤخره . فإن قال : أليس في جملة الأعواض ما يلزم تعجيله ؟ قيل له : إن الّذي يلزم ذلك فيه قد أوجبه على من يلزمه وعلى من يقوم بأمره ، أو على الحاكم . فحصل منه تعالى الانتصاف على الوجه الّذي يصح عليه في حال التكليف . وأما ما ليس بمعجل منه فالانتصاف واجب ويفعله تعالى على الوجه